يوسف الحاج أحمد
24
موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة
وفي السنّة الثّامنة للهجرة من شهر رمضان المبارك ، دخلت جيوش المسلمين مكّة بلا مقاومة ، وتمّ فتح البلد الأمين بلا قتال ، ودخل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على ناقته ، لا كما يدخل الفاتحون في كبريائهم وجبروتهم بل دخل خاشعا متواضعا ، مكبّا على رحل ناقته ، يكاد رأسه يلمس الرّحل ، شكرا للّه تعالى على ما أنعم به من هذا الفتح المبين ، وما منّ به من هذا الفضل الكبير ، ولم يزل عليه الصلاة والسلام يقرأ سورة الفتح ، حتى انتهى إلى الكعبة ومعه المسلمون ، فاستلم الرّكن بمحجنه [ عصا قصيرة ] وكبّر ، فكبّر المسلمون بتكبيره ، حتى ارتجّت لتكبيرهم أرجاء مكّة ، ثم طاف بالبيت سعيا على ناقته ، وهو في كلّ طوفة يستلم الحجر الأسود بمحجنه حتى أتمّ طوافه ، ولما فرغ صلّى اللّه عليه وسلّم من طوافه نزل عن راحلته ، ثم انتهى إلى المقام فصلّى فيه ركعتين ، ثم انصرف إلى زمزم فشرب منها وتوضّأ ، والمسلمون حوله يفعلون فعله ، والمشركون ينظرون ويعجبون لما يرون من هذا ويقولون : ما رأينا ملكا أبلغ من هذا ولا سمعنا به . . عفو لا مثيل له ثمّ خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطبة طويلة ، ذكر فيها جملة من الأحكام ثم قال : « يا معشر قريش ، إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء . . . النّاس من آدم ، وآدم من تراب » . ثمّ تلا هذه الآية : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . ثمّ قال : « يا معشر قريش ، ما ذا تقولون . . . وما ذا تظنّون أنّي فاعل بكم ؟ » قالوا : خيرا أخ كريم ، وابن أخ كريم . . . قال : « أقول كما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر اللّه لكم وهو أرحم الرّاحمين . . . اذهبوا فأنتم الطّلقاء » . . ! ولقد كان هذا العفو فتحا آخر ، فتح اللّه به القلوب المنكرة فأصبحت تفيض بالحبّ والإخلاص لدين اللّه ، ولرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبعوث من قبل اللّه تعالى ، وتدخل في دينه راضية مطمئنّة . هدم الأصنام وكان دخول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكّة في العشرين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة ،